![]() |
المجموعة الشّعريّة: تدرّجات لائيّة لنعم خاطئة |
أثناء الأمسية تهامست أنا والشّاعرة والقاصّة "دنيا
الحبيب"، مستغلّتين الفراغ بين السّؤال والجواب، عن العنوان وقد أثار فضولنا
وأسئلتنا.
ما التّدرّجات اللاّئيّة بعد النّعم الخاطئة؟ ما رمزيّة
هذا العنوان؟ وهل له علاقة بالمحتوى؟ وهل هو شامل لكلّ المحتوى أم هو عنوان منفصل
له دلالته خارج النّصوص، إذن هو نصّ لذاته؟ ما الرّمزيّة الّتي أرادتها الشّاعرة؟ وهل
التدرّج هو تقدّم في الموقف لاتّخاذ قرار أم هو تردّد في تصحيح مسار؟
اتّفقنا أنا ودنيا بأنّ العنوان قصيدة بذاته في
انتظار قراءة كلّ النّصوص. فالقراءة وحدها تجيب عن أيّ سؤال، وقد أكّدت الشّاعرة في
جوابها بعد هذا الهمس بأنّ العنوان خاصّ بالمجموعة ولا تحمله قصيدة بعينها بل هو
ملخّص تجربة مرّت بها.
بعد قراءة المجموعة الشّعريّة بدا لي العنوان كما
في الهمس بيني وبين دنيا، حمّال أوجه، ورمزيّ، لا يلخّص تجربة فقط ولكن أيضا هو
موقف إنسانيّ دالّ على تجربة صاغها وعي باستعمال الحرف والصّورة الشّعريّة الّتي
نجحت فيها بسمة في أكثر ما كتبت.
تدرّجات لائيّة، وهي أيضا لاءات متدرّجة من تجربة
المجموعة الأولى إلى الثّانية من " أفيض بك وحروفي عطشى" إلى
"تدرّجات لائيّة لنعم خاطئة"، من تجربة الشّاعرة مع الحرف إلى وعي
باستعمال هذا الحرف، من موقف ضبابيّ إلى موقف واضح...
متدرّجة هي "اللاّء" لأنّها تبني
الفكرة عن الشّاعرة في قصائدها وخارجها - وهذا متاح لمن يعرف بسمة وتلقائيّة الشّعر
لديها - بل تبني الموقف الشّعريّ تجاه العلاقات أيضا، ولكنّها أيضا "لا"
أشبه بالأمنية، حاسمة بعض الشّيء، غير متردّدة، مستدرجة جدّا وواضحة حسمت بها في
النّهاية كلّ ما تمنّت.
تقول الشّاعرة في قصيدة "عاش البحر":
سأغرق ومعي قيدك وقنّينة شوق حوت صوتك...
سأغرق
ليتني أرى ماذا سيحكم وجهك.
كلّ لاءاتي
نعم
لكنّك لا تفقهني. ص 14
هكذا الشّاعرة، المرأة العاشقة القويّة أمام
المعنى تصوغه شعرا، موقفا لا جدال فيه.
"اللّا" حرف جواب منفيّ، يلتقي في
القصيدة كمتلازمة لا بدّ منها مع نعم حرف الجواب المثبت، يأتي دائما بعد نعم للحسم
النّهائيّ.
تقول الشّاعرة في إحدى الومضات من المجموعة:
هاربة منك نحو الكلمات
وكلّ الحروف في اتّجاهك جائعة
حدّ اليتم، حدّ الحرب
والغفلة الكافرة
مازلت تلمع في عينيّ جهرا
لكلّ أطفال المجاز اليتامى
كلّما التقت لاءاتي بلن
ذات نعم عمياء. ص 45
تأتي الصّورة غريبة صادمة توقف القارئ لحظة ثمّ
تفصح عن نفسها وتلتحق بالعنوان، فالنّعم عمياء، واللاّ تلتقي بلن الحازمة القاطعة
بنفيها، فلا ريب في الموقف ووضوحه ولا لبس في اللاّ حين قالتها.
"نعم" عمياء، خاطئة لذلك تتسارع
اللاءات لتنفيها نفيا قاطعا وتكشف قوّة الموقف وحركة المعنى الشّعريّ المراد. فليس
للشّاعرة غير الكلمات لتجد توازن الفكرة من بداية النصّ إلى نهايته.
اللاءات كثيرة تلاحق كلّ نعم لم تبصر الحقيقة.
غير أنّ ما يوقف عند العنوان هو اسم النسبة
"لائيّة" فليست اللاّ هي المتدرّجة فحسب بل التدرّج المنسوب إلى اللاّ
فكأنّها تدرّجات ألوان وأضواء ترسم الموقف وتنشئ الشّعر وتنشده. ولهذا الانتساب
رمزيّته، فمهما تعدّدت اللاّ بعد النّعم فهي في تدرّجها تنتسب إلى "لا"
واحدة. ومن ثمّة فمهما تدرّجت تظلّ حاسمة حازمة قاطعة.
شكرا بسمة على هذه الرّحلة في لاءاتك وشكرا دنيا،
ففي السّؤال بلاغة الشّعر وروحه.
السّبت 17 أكتوبر 2026
دار الثقافة الشّيخ إدريس
بنزرت
تقديم المجموعة الشّعريّة
الثّانية للشّاعرة: بسمة الصّحراوي بعنوان "تدرّجات لائيّة لنعم خاطئة"

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق
التّعليق يظهر بعد مراجعته. شكرا