29 يناير 2023

خبز أمّي ينتخب، وهيبة قويّة

صورة لخبز العالية تخبزه النساء وينضج في الفرن التقليدي

 خبز أمّي ينتخب

أمّي تشتهي خبزها اليوميّ البسيط. وظلّت من خلف عقدها التّاسع تنتظر صواع سميد افتقده البيت. كم حرّكت يديها المتعبتين تعجن بهما الهواء وتخبز رغيفها المشتهى! وكم انتخبت من المروج الخصبة السّاكنة في صندوق ذاكرتها، بعنايتها وحكمتها، لتزرع فيها حَبّها المبارك! وكم حرست حقول القمح حتّى استقامت سيقان السّنابل الخضراء! وكم عدّت الأيّام لترى السّنابل وقد انحنت ذهبيّة ممتلئة حين قبّلتها شمس الصّيف! وكم حدّثت نفسها بتذوّق خبزها يأتيها ساخنا من الفرن التّقليديّ وقد فاح بروائح الحطب الّذي أنضجه وروائح أخرى لا يعرف سرّها سواها!

أمّي ماهرة في الخَبز. تأخذ صواع السّميد وتكيل ما يحتاجه طعام أهل البيت وتضعه في قصعة العجين. تضيف الخميرة الّتي خبّأتها بعناية فائقة لطقوس خُبزها اليوميّ. تخلط الدّقيق بحفنة من حبّ السّمسم و"حبّ الحلاوة" وحبوب أخرى تجعل خبزها يتفوّق بنكهته ورائحته على كلّ الخبز في بيوت الجيران. تعجن كلّ ذلك بحُبّ وتعركه حتّى يلين فتسوّيه أرغفة تزيّن وجهها بخليط من الزعفران وزيت الزّيتون. وحين يرتفع حجم العجين يكون موعد خروجه من البيت إلى المخبزة التّقليديّة، ليدخل إلى الفرن العتيق المتوهّج بنيران تأكل الحطب وتتولّى أمر نضج الخبر وإعلان استوائه بروائحه الطيّبة.

يصل طبق الخبز إلى البيت فتعطي أمّي رأيها في عمل الفرّان ومدى إتقانه لعمله. فحسب رأيها هو المسؤول الوحيد على إنجاح عملها. تشمّ الأرغفة واحدا واحدا، وتتلذّذ بما فاح من روائحها ثمّ تحفظها في مكان لا تصل إليه يد الجوعى الّتي تمتدّ إليه دون تقدير لتعبها في صنعه فتعبث بوجهه وتفسد شكله قبل موعد الطّعام.

مراسم الخَبز يوميّة. فالخُبز، حسب أمّي، يجب ألّا ينقطع من البيت. فهو نعمة الله، وفيه بركة لا يعرفها أبناء اليوم الّذين اعتمدوا على المخابز العصريّة ولم يستعملوا أيديهم لصنع خبزهم اليوميّ.

منذ أشهر تتفقّد أمّي كيس السّميد الفارغ. لا سميد. ولا خميرة في البيت. والزّعفران مفقود أيضا. تنظر إلى يديها المتعبتين بنظرها المتعب وتحدّث نفسها:

-  مازلت قادرة على الخَبز. وسأصنع خبزي بيديّ. ولكن...

زرتها منذ أيّام وتحدّثنا عن خبزها اليوميّ وعن الفرن والفرّان وعن الخميرة والسّميد وبيادر القمح و"غسّالة النّوادر". حينها بكت السّماء ملء الأرض وضجّت برقا ورعدا. فقالت أمّي:

- هذه أمطار بداية الخريف، جاءت تغسل بيادر القمح وتعلن بداية العام. هذه "غسّالة النّوادر" كما شهدتها حين كنت يافعة... هي تنبئ بنعم كثيرة. ستمتلئ البيوت خبزا وماءً.

بعد وقت لا أدري إن طال أو قصر، صدقت نبوءةُ أمّي، نصفُها. امتلأت البيوت في كثير من المناطق ماءً وحملت سيوله خيرات كثيرة لا علم لنا إلى أين. وأعلنت الأخبار أنّ الأمطار حملت قناطير من القمح معها. وأغلق الخبّاز الفرن، فقد ابتلّ الحطب وتلف القمح وانقطعت الخميرة من البيوت. وعقّبت أمّي:

 - الله لا يقطع لنا خميرة من الدّار.

أمّي شغلت نفسها بالدّعاء. وأنا تابعت الأخبار الّتي فاضت بالآراء وأمطرتني بوابل من التّحاليل حول نتائج الانتخابات المتوقّعة. وتجنّد جيش من المتكلّمين عن الماء والخبز... بعد تسع عجاف رعت ثورة الخبز والماء الضّامنيْن لكرامة شعب نادى: "خبز وماء... والجبروت لا"

قالت أمّي وهي تواصل دعاءها:

- الماء والخبز رزق من عند الله ! يا ربّ ارزقني صواع سميد لأصنع خبزي، وارزق الجميع لأجل خزينهم السّنويّ. فلا عام لنا بلا "عولة".

العولة أيضا من طقوس أمّي الّتي تحتاج فيها إلى السّميد. وهي طقوس صيفيّة سنويّة تخبّئ خلالها ما يحتاجه أهل البيت من طعام يعتمد فيه السّميد أو دقيق القمح. وأمّي في ذلك مثل نملة نشيطة تخبّئ في الصّيف طعام الشّتاء لها ولكلّ العائلة.

كفّت الأمطار وطوت السّماء سحبها وبرقها ورعدها وركضت شمس الخريف في ساحاتها ليزهر الزّمان والمكان.

ابتسمت أمّي للسّماء وقالت:

- كلّ هذا الماء ولا نجد صواع سميد؟ حديث هؤلاء المترشّحين يرشح ماء ولكنّه لا يملأ أوعية العولة. فقد تركوا القمح للسيول والتّلف وحرمونا سميد الخبز والعولة. لن أنتخب فأنا أشتهي الخبز. والفرن أُغلقت أبوابه إذْ كفّت سواعد النّساء عن صنع الخبز في بيوتهنّ لافتقاد السّميد.

أفهم جيّدا موقف أمّي. فهي لا تحبّ إلاّ ما تطبخه يداها في بيتها. ولا أذكر أنّني رأيتها تأكل أكلا جاهزا من خارج البيت. لذلك لن تقبل بغير خبزها.

قلت أهدّئ من روعها:

- لكلّ زمان عاداته وطقوسه. واليوم زمان الخبز العصريّ والأكل في الشّارع...

قالت:

-  الله لا يعطينا ما يغلبنا. وقد غلبونا. وأغرقونا بكلامهم وحبسوا عنّا نعمة الخبز. سيصيبهم غضب الله وغضب الفقراء. 

انتهت أخبار الماء، وجاءت أخبار الانتخابات لتملأ الفضاءات دهشة وكلاما ودقّت أجراس النّتائج. سألت أمّي من انتخبت فثارت في وجهي:

-  الخبز والماء...

في نفس اللّحظة وصلت نتيجة أوّليّة للانتخابات تعلن فوز الخبز ورشح وِفاض المتكلّمين... فتكلّمت:

-  أمّي ! هل تصدق هذه التّخمينات؟

-  فقالت أمّي :

-  تصدق. انْتَخَبَ الخبزُ فرّانه والبطون راعيها...


نصّ من كتاب: على ضفاف الضّوء، وهيبة قويّة

عن دار عود الندّ للنّشر/ لندن

صورة للفرن التقليدي الأندلسي بالعالية، ببطحاء الجامع العتيق

الفرن التقليدي بالعالية، ببطحاء الجامع العتيق


25 يناير 2023

إشراقات نافذة

 

بأعلى الجدار الّذي أتكئ عليه نافذة صغيرة تتعلّق بأهداب السقف، تفتح عينيها للضّوء وتعمل عمل الرّئة للمكان، وتراقب الباب أمامها، كعين كاميرا. لا يستطيع أحد الحركة دون أن ترصده. فموقعها استراتيجيّ ما بين ضفّتي الجدار. فهي تقف على حدود الخارج بشمسه وهوائه وتقلّباته وحياته، وتشرف على الدّاخل بعتمته ونقص هوائه، لولا الضّوء العابر من عينيها، ولولا ما تجود به من الهواء العابر بها... وتطلّ على رتابة المكان، وتفاصيل حياته البطيئة الهادئة.

لا ألقي للنّافذة بالا في الغالب، ربّما لأنّها موجود ضروريّ جعلته العادة من الموجودات العادية الّتي لا تلتقطها حواسّي بلهفة وانتباه، وربّما لأنّها أصغر من أن أعطيها اهتمامي، أو ربّما لأنّها أعلى من إدراك بصري وما يهمّني هو أثرها في المكان. وإلى وقت قريب كنت أفضّل الاهتمام بالباب وأنا أسند ظهري إلى جدار النّافذة فأرتاح من صخب نفسي ورأسي وفوضى أيّامي وطول لياليّ الّتي يسودها نوم متقطّع.

وذات يوم، مرّت عاصفة بالخارج كادت تقتلع النّافذة من مكانها، وهطلت أمطار غزيرة ضربت النافذة بسياط مائها ولم ترحل إلاّ وقد غشي بصر النافذة قذى وانطفأت بهرة الضوء من عينيها أو كادت.

وكما تبدأ كلّ حكايات العشق منذ الأزمان الغابرة، نظرت إلى النافذة أعلى الجدار، وتعلّق بها نظري، ثم أسرعت لأصعد على كرسيّ وضعته على طاولة لأصل إلى عينيها الذّابلتين وفي يديّ ما أمكن من موادّ التنظيف ووسائله. وطفقت أنظّفهما وأجتهد لإزالة ما وقع فيهما من الأذى. واجتهدت في ذلك فأعدت البريق إلى الزجاج المؤطَّر. وابتسمت. فنظرت إليّ وشعاع الشّمس الباهت خارجها ينفذ من خلالها شديد الإشراق. وطاف بالمكان وأشعّ في كلّ التفاصيل حولي. وصار المشهد كلّه تحت الضّوء وكم كنت أحتاج إلى بهرة الضّوء هذه لأرسل روحي خارج المكان مثل عصفور منطلق لا تعطّله قضبان القفص.

وقعت في عشق النّافذة الصغيرة العالية. فرتّبت مكاني قبالتها وصرت أجلس يوميّا في مكاني الجديد أسند ظهري على الجدار المقابل لها وأتمتّع بما ترسله إليّ من إشراق الشّمس أو من ظلمة اللّيل. وحبوتها بتنظيف دائم لتظلّ الابتسامة رفيقتنا وعيناها تراقبان يومي وما أفعله تحت طائلة ناظريها. بل، أنا، كنت أراقبها وأراقب قطعة السّماء التي تهرّبها عيناها إليّ.

...

وهيبة قويّة

 

22 يناير 2023

قراءة في "فنّ الحياة سعيدا" من خلال "كتاب الإيكيغاي الصّغير" لـــ "كين موغي"، وهيبة قويّة

كتاب الإيكيغاي الصّغير لــ "كين موغي"
 

قراءة في "فنّ الحياة سعيدا" من خلال
"كتاب الإيكيغاي الصّغير" لـــ "كين موغي"

كنت أتصفّح قائمة كتب يابانيّة حين طلع عليّ عنوان " كتاب الإيكيغاي الصّغير" لــ "كين موغي". الإيكيغاي، كلمة غريبة، طبعا لأنّها يابانيّة وأنا لا أعرف اليابانيّة.

أثارني العنوان خاصّة وقد نعت الكتاب بالصّغير، (ودار في رأسي عنوان: الأدب الصّغير والأدب الكبير لابن القفّع) فأردت معرفة الصّغير، وحدّثت نفسي أنّي إن وجدته مسلّيا فسأبحث عن معرفة الكبير ثمّ ما هو أكبر. ما أثارني أكثر هو العنوان الجزئيّ الطّويل تحت العنوان الكبير على كتاب صغير الحجم (86 صفحة) "الأسلوب اليابانيّ المثاليّ لمعرفة هدفك في الحياة". وبنظرة متفائلة، رأيت أنّ الكتاب مناسب لصباح متكاسل يبحث لي عن مثير للخروج من دفء الفراش إلى برد مفاجئ في الطّقس، ومناسب أيضا للإنفلونزا قبل مفاجآت العطاس والسّعال والحمّى. وقد كثرت مفاجآت الكتاب منذ صفحاته الأولى ثمّ... عنوان الفصل الثاني: "سبب نهوضك من السرير صباح كلّ يوم." أظنّ أنّ الكتاب بحث عنّي ووجدني، ابتسمت للكتاب وكاتبه وأنهيت القراءة بسرعة، ولم أخرج من الفراش. فالكتاب من النّوع الّذي يحتاج إلى قراءة ثانية لأستفيد تطبيقيّا بنظريّة السعادة فيه. فهذا نوع من الكتب يظهر ليسعد القارئ لذاته قبل أن يضعه أمام أسئلة الوجود البسيطة ليجد، لا أهدافه فحسب، بل أيضا سعادته كلّ يوم.

تحدّث "كين موغي" في كتابه " الإيكيغاي الصّغير"، عن أساليب حياة اليابانيّين في تحقيق السعادة من خلال قواعد في ظاهرها بسيط، تتجلّى في أبسط ما يمكن أن يفعله الإنسان خلال يومه، وهو يعرض أساليب حياة أهالي جزيرة "العمر الطّويل" إيكيناوا اليابانيّة، ونماذج من الحياة اليوميّة اليابانيّة المستمدّة من ثقافتهم القديمة المتوارثة منذ مئات السّنين، مثل تقاليد شرب الشّاي واجتماع الساموراي حوله، وتقاليد ممارسي رياضة السومو، وعمل بعض الحرفيّين... ممّا يفتح نافذة على ثقافة اليابان الّتي تكشف فلسفة الحياة عند هذا الشّعب من خلال مظاهر تفانيه منذ القدم في "العمل"، مهما كان بسيطا، والإخلاص له وإتقانه الذّي عزّ عند كثير من الشّعوب، أو ممارسة الحياة اليوميّة في تفاصيلها البسيطة. فشعب اليابان مثلا لا يعرف "التقاعد" ولغته ليس فيها كلمة "تقاعد" وأوّل ما يتعلّمه الأطفال في اليابان هو كلمة "المثابرة" والّتي يعتبرها اليابانيون أوّل بنود السّعادة وطول العمر.

ومن هنا ظهر مبدأ "الإيكيغاي" فهي كلمة تعبّر عن أسلوب حياة المعمّرين في جزيرة إيكيناوا باليابان. وتعني أحداث الحياة اليوميّة البسيطة، وتعني الأهداف الكبرى أيضا. ولغة تعني "إيكي" يعيش، و"غاي" سبب. لتدلّ على مبدأ روحيّ معناه أن يجد كلّ إنسان سببا يعيش لأجله. ويتلخّص في حسن تقدير الحياة والحلم الّذي لأجله يعيش الإنسان وذلك بتقدير التّفاصيل الصّغيرة. ويأخذ الكاتب مثالا لذلك، من بين أمثلة كثيرة، أنّ الّذين لا ينهضون من فراشهم صباحا لن يجدوا الرّغبة في الحياة وعليهم البحث عن المعنى يدفعهم للنّهوض باكرا. فالإيكيغاي إذن يلخّص حكمة اليابانيين في الحياة المتميّزة بالرّقّة والأخلاق والأفعال المتأصّلة في المجتمع الياباني، والّتي تطوّرت عبر مئات السّنين وجعلت اليابانييّن يعمّرون طويلا وينعمون بالسّعادة في "إيكيناوا" خاصّة ثمّ في كلّ اليابان. ويمكن لكلّ إنسان غير يابانيّ أيضا أن يجده.

فالإيكيغاي هو نمط حياه يوميّ يقوم على تنشيط العقل، والاستمراريّة في الانتاج، واتّباع الشّغف لتقوية الرّغبة في الحياة، واتّباع نظام غذائيّ معيّن، والحرص على الرياضة، والنّوم الكافي والاهتمام بالرّوح المتفائلة والابتسامة. وهو ما سيجعل كلّ شخص ينعم بالإيكيغاي، فلكلّ شخص إيكيغاي خاصّ به.

ويفصّل "كتاب الايكيغاي الصّغير" كيف يتوازن الإنسان في حياته لتحقيق السّعادة. وكيف يصنع النمط الّذي يناسبه للعيش بالإجابة عن أسئلة أربعة تهتمّ بحياته وهي:

- ماذا يحبّ؟

- ماذا يجيد؟

- ما الّذي يمنحه مكافأة/ راتب؟

- ماذا يحتاج العالم من حوله؟

ويكمن الإيكيغاي في المشترك بين هذه المسائل، لذلك على كلّ شخص يحسن الإجابة عن هذه الأسئلة ليحصل على الإيكيغاي الخاصّ به. فإذا عرف بداية الطّريق فسيجد سعادته الخاصّة إذا اتّبع طريقه بهذه الأركان الخمسة وهي:

1/ البدء بالأشياء الصّغيرة.

2/ إطلاق العنان للنّفس.

3/ التناغم والاستدامة.

4/ متعة الأشياء الصّغيرة.

 5/ عيش اللّحظة.

ويقول "كين موغي" في مقدّمة الكتاب عن هذه الأركان: «غالبا ما تكون هذه الأركان مطروحة على بساط البحث والنّقاش، لأنّ كلّ ركن منها يتيح للسّعادة أن تزدهر. والجدير بالذّكر هنا أنّ هذه الأركان ليست ذات طبيعة تبادليّة، وليست في الوقت عينه حصريّة أو شاملة، كما أنّ لا ترتيب هرميّ لها. ولكنّ هذه الأركان مجتمعة تكوّن مفهوما أساسيّا للسّعادة، وستكون دليلا أثناء قراءتك الصّفحات التّالية الّتي ستؤثّر في حياتك. هذه الأركان سيكون لها على الدّوام عظيم الأهمّيّة في الحياة»

ورغم أنّ الكاتب اعتبر كتابه رحلة استكشاف إلاّ أنّ القارئ سيجد أنّ هذه الأركان الخمسة هي منهج الحياة الّتي تتشبّع بها طاقة الحياة عند اليابانيين ويمكنه الاستفادة منها في حياته الخاصّة. وهي فلسفة في ظاهرها البساطة ولكنّها عميقة حين تصير جزءا من الحياة الّتي نحياها وحين نضع هدفنا ونمضي بثقة الأطفال بأنّ كلّ شيء ممكن، وبأنّ كلّ ما ننجزه، مهما كان بسيطا، فإنّه يحقّق السّعادة ويضمن الشّباب الدائم ويغيّر حياة الإنسان بشكل كامل وجذري، ويجعله ينعم بصحّة جيّدة وأكثر سعادة ورضا ويخفّف من ضغوط حياته، إضافة إلى أنّه يجعله أكثر إبداعا ونجاحا إذا عرف كيف يقدّر هذه الفلسفة الحياتيّة ويتعلّم كيفيّة تطبيقها فى حياته.

هذا بإيجاز فنّ "الإيكيغاي" لـ "كين موغي" في كتاب صغير بأفكار عملاقة.

قد ننسى أشياء كثيرة لا نقولها في تلخيص الكتب، ولكنّ الأكيد أنّنا نقول ما يعجبنا من الكتاب. وما أعجبني هو الكلام القليل والجمل المحدّدة الّتي تحوصل فلسفة كاملة موضوعها القواعد الخمسة لتكون سعيدا وتحافظ على شبابك وأنت تتقدّم في السنّ.

فإذا أعدنا السّؤال: كيف نحقّق سعادتنا تذكّر المثل اليابانيّ «سِرْ ببطء وستصل بعيدا» وجملة "كين موغي" في آخر الكتاب: «أنت لا تحتاج إلى الثّورة بل تحتاج إلى التطوّر.» نعم: التطوّر. فالسّعادة لا تكون إلاّ باتّباع خطوات ثابتة مهما كانت قليلة تبلغ إلى التطوّر وتبعد عن الثّورات والتوتّر "مقصّر العمر" و"ماحي السّعادة". ماذا سنجني من ثورة تزلزل كلّ شيء وتجعلك ترى سعادتك في يد غيرك. ابتسم واشرب قهوتك وضع هدفا بسيطا ليومك وثابر، ستخرج من فراشك حتما ولو لأجل قطعة شوكولا تركتها في الثلاّجة أو لأجل قهوة تشارك بها أفكار كاتب يحاول أن يصف لك كيف يعيش أهل "إيكيناوا" المعمّرين السّعداء فيدفعك إلى شريان الحياة... ببساطة، وبابتسامة.

كين موغي، يابانيّ آخر أضيفه إلى قائمة الكتّاب اليابانيين المثيرين بأسلوبهم الشيّق البسيط الواضح العميق وكتاباتهم المنهجيّة وأحيانا السورياليّة، ويسعدني أن أحفظ الاسم "كين موغي" مع كتّاب اليابان هاروكي موراكامي، يوكو مشيما، ياسوناري كواباتا...

وهيبة قويّة

 لقراءة الكتاب ادخل إلى الرابط التالي:

اضغط هنا

noor-book.com/grq2pw

20 يناير 2023

نافذة صباحيّة

نافذة صباحيّة
 

ضاءت نافذة الغرفة تعلن الصّباح. شعرت بالضّوء على جفنيّ. تشرّبته عيناي فابتعدت صور كنت أراها غائمة في ضباب النّوم.

حاولت فتح عينيّ ولكنّهما لم تنفتحا، بل صارتا بهرتيْ ضوء معلّقتين في الفراغ. جسدي أيضا معلّق في الفراغ مع أنّني ممدّدة في حضن فراشي، فِراشي القَلِق الأرِق مثلي والذي لم يهدأ منذ نويت النوم.

حاولت سحب الغطاء، لم ينسحب. ولم أشعر بدفئه ولا ببرد الغرفة. تسمّعت ما حولي ولكنّي لم أسمع إلاّ أصواتا تأتي من البعيد خافتة. كأنّها تختفي خلف الطرقات، أو تهرب من الفضوليين. وسمعت أصواتا أخرى تأتي من مكان أبعد لم أدركه ولكنّها اختفت داخلي مرتعشة. لم أفهم ما تقول. هي لم تحدّثني مباشرة ولكنّها وقعت عليّ واختبأت داخلي كطفل خائف. انتفضتُ ثمّ هدأتُ. وهدأتْ الأصوات حولي وداخلي. وغرق كلّ ما حولي في الهدوء والصمت.

مثل هذا الهدوء يحتاج إلى احتفال صباحيّ خاصّ. سأنهض وأوقظ نكهات الصباح عطوره. وأحتفل. لم يتحرّك جسدي. ولم يطاوعني. مازال معلّقا في الفراغ. أيّ ريح تحرّكه ليطير أو يرتفع أو يهوي؟ كلّ شيء هادئ. فلا ريح مرّت ولا نسمة.

حاولت مرارا أن أفتح عينيّ. انغلقتا أكثر. وشيئا فشيئا انزاح الضّوء عنهما. وحلّ ضباب كثيف فيهما ثمّ ظلام. ثم ارتسمت صور غائمة على السواد. وصرت أختار منها وأرتّبها وأتصرّف في أشكالها وألوّنها.

هنا أنا أقف على تلّ من شجر اللّوز. وهنا يداي تقطفان بياض الفرح زهر لوز. وهنا دفء الشّمس يجمع عظامي فأركض طفلة يحملها الحلم بأجنحة من نور. وهنا أقف وأراقب المدى المخضرّ الخضل. ويمضي بي جناح الحلم. فأختار صورة حقول القمح وأختفي بين السنابل. وباقة من شقائق النعمان أضمها إلى صدري. وأحرّك الرّيح فتحملني. وأرتفع معها إلى الغيم وأطلّ على جسدي الممدّد متعبا. وعيناي تطبقان على بقايا حلم يركض بعيدا عنّي. هنا أنا هادئة أجمع الصّمت في هدوء وأسكبه على جسدي لحنا يهدهده ليستفيق ويأخذني بعيدا.

هنا أنا أصوّر عالما يراودني ولا أعرفه ولكنّني أقبض عليه وأتمسّك بحباله حين أهوي في الفراغ ويسقط الفراغ داخلي. هنا أنا أحاول الحياة.

أنا هنا حولي ضوء الصّباح ورائحة اللّوز والقمح تستدرجني لأصعد من الهوّة.

حرّكت أصابع رجلي اليمنى. تحرّكت. هذه علامة أنّي هنا، خارجي. ففتحت عينيّ. ووصلني صوت الصباح:

"على جسر اللوزية تحت وراق الفيّة

هبّ الغربي وطاب النوم وأخذتنا الغفويّة

وسألوا كتير عليّ على جسر اللوزيّه..."

ووقفت على الجسر بيني وبيني معلّقة في عيون الصّباح...

وهيبة قويّة

من: أنا بخير فصل: فيبروميالجيا

19 يناير 2023

راس العين كتاب لـ: سلوى الراشدي

 

راس العين كتاب لـ: سلوى الراشدي

نصّ متأصّل في عاميّة ولاية القصرين (سبيطلة)، نصّ أصيل، تونسيّ، ينبش في ذاكرة أصيلة... امرأة، ثورة، بلاد، فروسيّة... حكاية من نسيج سرديّ قويم مطرّز بشعر مال إلى الغنائيّة والمواويل في شجن يدخل الرّوح ويتملّك بمسامها. فتعشق الرّوح النصّ والحكاية وتصير عينا قارئة وأذنا صاغية...

نصّ فصيحٌ، لسانه التّراث والموروث الأدبيّ الأصيل في عاميّة البلاد.

مبدعة سلوى الراشدي، وهي تأخذنا في تفاصيل راس العين مع المانعة وعبادة والوفاء...

مانعة وعْبادة... عتبة تحتاج وحدها إلى وقوف طويل في معنى الاسمين وفي نسيجهما داخل معنى الحكاية، حكاية الثورة مع عليّ بن غذاهم، وثورة القلب، وثورة النّفس حتّى الرّمق الأخير...

وهيبة قويّة

18 يناير 2023

كاندل

كاندل

ضوء الفجر يختفي خلف بقايا اللّيل. وأنا أختفي تحت الغطاء بحثا عن بقايا دفء محتمل. تحت جفنيّ بقايا نوم لو استسلمت إليه فسيحملني إلى الدّفء والأحلام. عظامي توخزها شحنة كهرباء باردة حارة في نفس الوقت.

القطة بشراستها الطبيعيّة تطلّ عليّ وهي تدوس بأقدامها القطنيّة الغطاء تمهّده لتنام في دفئه ودفء أنفاسي. وجودها قربي يزيد من لذع الكهرباء في عظامي. أتحرّك. فتفرّ مبتعدة ثمّ تعود لتطلّ على وجهي وتحاول لمسه بخوف. أنظر إليها فتشيح بنظرها كأنّها تقنع نفسها بأنّها لا تراني وتمهّد ثانية بأقدامها المكان ثمّ تستقرّ بين كتفي ورأسي وتسترخي... ولا أنام.

تخاتلني وأخاتل حركاتها وأبحث عن علاقة الكهرباء بهذه الكتلة القطنيّة الصامتة (كاندل قطيطتنا الشرسة لا تموء بل تخمش). لماذا يشتدّ لذع هذه الشحنة الّتي تعوّدتها منذ سنوات حين تتمدّد القطيطة قريبا منّي أو فوق رجليّ أو فوق كتفي؟

يقول جماعة الطاقة بأنّ القطط تتشرّب الطاقة السلبيّة وتنقّي المكان منها. فهل أحمل كلّ هذه الطاقة السلبيّة؟ غريب! أنا أشعر بالإيجابيّة وبالحياة وبالرغبة في الركض بعيدا عن الفراش والغطاء والصباح النائم في حضن البرد الرماديّ. وها أنا أطبق جفنيّ على بقايا النّوم وأنا أركض والقطّة تلاحقني وتظنّ أنّني ألعب معها وعظامي تئنّ تحت وطأة الوجع والكهرباء وتتمدّد بكلّ بردها على فراش يحاول إبعادها عنه فتجمع رميمها وتتكوّر بحثا عن دفء محتمل في صباح بارد يرفع ستائره الرماديّة على ضوء خافت مازال الظلام يخالطه.

وحدها القطة في كلّ هذا البرد المعتم تجد حلم بياضها الدافئ وتسترخي متجاهلة حركة الصباح.

#وهيبة_قويّة


15 يناير 2023

إذا لم تدخل متاهة بعد، فاقرأ دمية كوكوشكا لأفونسو كروش، وهيبة قويّة

إذا لم تدخل متاهة بعد،

فاقرأ دمية كوكوشكا لأفونسو كروش.

هل جربت أن تدخل متاهة؟

هل تظنّ أنّك قادر على دخول متاهة والخروج منها سالما؟

هل فكّرت يوما أن تلتقي ببعض الناس، أو تلتقي بي ولو على سبيل الافتراض «في اللانهاية، مثلما تفعل الخطوط المستقيمة المتوازية»؟

يمكنك أن تجرب الإحساس بالضياع في عالمك أو أن تخرج من القفص الّذي في داخلك حين تغامر بقراءة رواية "دمية كوكوشكا" للروائيّ البرتغاليّ أفونسو كروش، وسترى كيف تخرج من المتاهة بتجربة حياة فيها الفلسفة ممزوجة بالسذاجة، والواقع بالخيال، والحقيقة بالأسطورة، والفنّ بالفوضى أو بالعدم، والأديان بالإلحاد، والحرب بالحبّ، والقنابل بالموسيقى، وعالم الرواية بالرسم، والسرقات الأدبية بالبحث عن الشهرة بأسماء كتّاب آخرين...

ستَعُدُّ فصول روايتك بالآلاف حتّى تصل إلى فصل اللاّنهاية، وتقفز في الرواية على أحداث عشرات الفصول لا تكتبها، أو ربّما ألف فصل لم تكتبه، ولكنّك تظلّ ممسكا بزمام الرّواية وتجد لها المنطق المناسب لتكملها دون خلل في مبناها أو معناها...

وستقف أمام باب الغرفة الأخير، «باب الشارع»، «الوحيد الباقي لنا كي نفتحه في شقتنا.»

وستتأكّد أنّ «رؤية العالم لا تقتصر على ما نراه فحسب... إنّها أيضا الشيء الّذي نتخيله»، وأنّه «لا يوجد أيّ شيء أكثر كمالا من الأدب.» لأنّ حياتنا تحاكي الفنّ كما في عنوان أحد الفصول الأخيرة من الكتاب.

هذه الفصول الكثيرة القصيرة ذات العناوين الطويلة الّتي تجعلك تسأل في كلّ مرّة تقلب فيها الصفحة: إلى أين سيأخذني هذا الكاتب المجنون؟ أو: كيف سيخرجني من هذه المتاهة؟ أو: إلى أين يسحبني بكلّ هذه الخيوط المتشابكة؟ أو ربّما تصيح بالكاتب: ارحل أيّها المجنون واتركني أضيع.

وقد تفكّر بترك الكتاب ولكنّه يلتصق بيديك وعينيك ويسحب وعيك ولا وعيك وخيالك ويشدّك لتكمل كلّ حرف فيه ثمّ تعيد قراءة جمل بعينها وأنت تضحك لحروف الأبجدية كلّها وربّما ترتّلها في صلاتك مثل "إسحاق درسنر" وتقول آمين لأنّك لا تعرف كيف ترتّب الحروف في كلمات تقول ما تريد الصلاة به بين يدي الله. وستبتسم أيضا لكلّ الناس وأنت تسند إليهم الأسماء وفق السلّم الموسيقيّ.

وقد تعيد النظر في الحرب الثانية وتقرأ ملامح الإنسان الذي خلّفته فتوافق الكاتب أو تختلف معه لأنّ الحرب تغيّر الرجال: «لم يعد رجلا، كان حطاما آخر من حطام العالم، كبقايا طعام. داخل عينيه يُرى جيّدا فراغ مفتوح فيه قنابل.» وقد تسرح مع معزوفة "الدموع" لـــ"جانغو رينهارت" ثمّ تعيد النظر في ظلالك اليوم... نعم، اليوم، الآن وهنا، ثمّ تفكّر في كلّ ما حدث ويحدث وما سيحدث لأنّ الزمان له أكثر من بُعد في اللّحظة الواحدة التي يمرّ بها...

وقد تنسى الزمان وتصير "بيغماليون" وتصنع دميتك بكلّ تفاصيل حبيبتك وتجاعيدها أيضا ثمّ تبعث في هيكلها صلاتك وفراشات الروح، أو تحطّمها لأنّك تريد الحياة بلا أقفاص، ولأنّك ببغاء أو كناري أصيل ولا تزيّف ألوان ريشك لتصير شبيها بأيّ طائر آخر... لأنّك حرّ، ولأنّك فتحت أبواب القفص بداخلك، ولأنّك فتحت باب الشارع الأخير في بيتك، ولأنّ مرضك له اسم، ولأنّ صلاتك على قدر نيّتك وثقتك بالله، ولأنّك تعرف أنّ الله لا "يلعب السكرابل" ويعرف صلاتك وفراشة روحك وخطاياك وصلاحك وألوان لوحاتك وطلاسم "لوحك"... لأنّك ببساطة إنسان بسيط وحرّ.

قد تنهي الكتاب بحكمة تعلّمتَها وأنت تدور في متاهاته، وقد تخرج بملامح عالم جديد بأبعاد ثلاثية ورباعية وخماسية وأنت تتهجّى أبجديّات عالم غرائبيّ... وقد تخرج وذهنك خال من كلّ حدث وأنت تبحث عن ذاتك، ولكن ستخرج حتما من المتاهة برأس جديد لأنّ «رؤسنا عالم من الأشباح ولا توجد جراحة عصبية للمخّ يمكن أن تُجرى للخرافات. عليهم أن يبدّلوا طاولة العمليات بلوح الويجا، لوح الروح.» وستفرح حتما لأنّك خرجت من القفص الّذي بداخلك وصار ظلّك عصفورا.

وستفرح أيضا لأنّك ستواصل المسير في متاهة الحياة وأنت لا تملك أن تصنّف الكتاب ضمن الروايات ولا ضمن الفلسفات ولا ضمن بعض نظريات الرياضيات والفيزياء، لأنّها كلّ ذلك معا. وستنهي الكتاب وفي ذهنك كلّ الألوان والأشكال والموسيقى والقصّ الغرائبي لتعيد رسم عالم نجا من الحرب ومن «الأربعة آلاف طنّ من القنابل الّتي سقطت على درسدن خلال الحرب العالميّة الثانية.» ولم يبقَ منها سوى ظلالها السوداء، وتفاصيل مشتّتة. سترسم هذا العالم ولكنّك حتما لن تزيّف ألوان العصافير ولن تسرق رواية "توماس مان" ولن ترتّل للإله صلاتك المشتتة ليرتب حروفها بنفسه لأنّك لم تعد ساذجا، ولست مجرّد أشلاء ممزّقة، ولأنّك لست فيلا في دكّان من زجاج، ولا رجلا برأس به ثلاث نقاط مسترسلة، ولا كائنا ورقيّا تخدعه ظلاله، ولا صوتا تحت الأرض مختبئا يملي أسعار البضائع على الآذان الملتصقة بالأرض... ولست مجازا ولا فصلا منفصلا في رواية مؤلّفة من حروف سكرابل أو "باتشوورك" Patchwork تجمّع قطع نسيجه خيوطُ اللّغة في نسيج عجائبي، وفي رواية مضمَّنة تقفز على فصولها في رواية مفكّكة تحاول تجميع أجزائها وفرض منطقها...

أحببت متاهة أوفونسو كروش الروائيّ الرسام الذي يفكّر برأس الرسام ليكتب بألوان روائية مختلفة فتضع السؤال المناسب عن روحك وتتأكّد أنّها بوزن فراشة ليس أكثر، فتطلقها نحو النور لتحترق بنار المعرفة وتصير شعلة حياة. بل تصير كائنا ضمن لوحة تشكيليّة تطردك من مساحتها وتجعل منك المسمار الذي يشدّها إلى الجدار حتّى تراها مكتملة لأنّه «لا يوجد أيّ شيء أكثر كمالا من الأدب» وتحديدا الأدب الذي يفرّ شكلا ومضمونا إلى لوحة رسّام وإلى موسيقى الروح وإلى "لوح الويجا" ليُجري بنفسه عمليّة جراحيّة على الأشباح في الخرافات الّتي في رأسك حتّى ترى العالم كما تتخيّله أو كما يفترض أن يكون.

أخرج من المتاهة، متاهة "دمية كوكوشكا" مبتسمة وقد ارتسمت أمامي بعض علامات الطّريق.

وهيبة قويّة، جانفي 2023 

الكتاب: دمية كوكوشكا

المؤلّف: أفونسو كروش، من البرتغال

تاريخ النشر: 2018

الناشر: مسكيلياني للنشر والتوزيع

عدد الصفحات: 306 صفحة

 

14 فبراير 2022

عيد الحبّ


عيد الحبّ

بدأ صباحي في شكل قلب كبير، قلب يتّسع لكلّ النّاس، يرى الحبّ في التفاصيل الصّغيرة وفي أغنيات الصباح وفي بقايا الورد في ذاكرتي البعيدة وفي عطر منسيّ في رفوف المراهَقة وفي ابتسامات تطلّ خيالاتها من بعيد وتتلاشى وفي دفء همسة تحرّك الشجن وتترك أملا كبيرا في حبّ ألقاه في منعطف الحياة.

 مع خفقات قلب الصباح تصفّحت صورا ترامت في ثنايا ذاكرتي وامتدّت ظلال أطيافها بين الضّوء المتسلّل من النافذة وضوء الفكرة. عيد الحبّ في يوم برد يراوغ المواقف منه بين داع له ونافر منه، وأكداس الهدايا تعبر صفحات الفضاء الأزرق في لمح البصر. والحبّ يفيض بأشكال القلوب والأمنيات ويعبر أرجاء الكون فاتحا ذراعيه. الكلّ يحبّ الكلّ. وأنا أحبّ الكلّ، كلّ هؤلاء الّذين يعبرون رأسي الآن بدءا بالبطل المبتسم في أشرطة السينما بالأبيض والأسود تبثّها التلفزة في سهرة الأربعاء فأفتح عينيّ بشتّى الألوان لأتمنى أن يحبّني. الوسيم عمر الشريف كيف أجعله يحبّني يترك فاتن حمامة ويأتي مسرعا لأكون بطلته؟ أحلام الطفولة كانت تتشكّل في القلب قبل الأوان وأنا أخفيها خجلا وحيطة أن تسرق منّي.

 يوم اكتشفت أنّ عمر الشريف، ككلّ الممثلين، يحبّ كلّ من يمثّل معهنّ اعتبرته خائنا وكتبت له قصيدة اقتبست نصف كلامها من أغنية وردة وخاصّة الجملة "كان اسمه حبيبي". واحتفظت بتجربة القصيدة العاشقة في جيب ميدعتي المدرسية وتفطّنت لها صديقتي وفضحتني عند المعلّم أثناء درس اللغة عن الفاعل. ما زلت أذكر الدرس وخطّ معلّمي الأنيق وصوته يوبّخني ولولا جوابي الصحيح في التمرين ما كنت نجوت من عقوبة ضرب مؤكّدة. أذكر وجه معلّمي الغاضب وصوته الذي قفز إلى قلبي قبل سمعي "من خالط العطار نال طيبه ومن خالط الفحّام نال سواده" ولا أدري كيف فهمت أنه قصد صديقتي وليس القصيدة التي بخطي وتشي بما في قلبي لعمر الشريف. أعاد إليّ الورقة. وكم وددت لو أخبرته بأنني لن أحبّ بطلا سينمائيا بعد اليوم وسأحبّه هو فهو أجمل من كلّ الأبطال.

 تجربة الحبّ كانت فاشلة جدا حينها وأنا في التاسعة فمعلّمي متزوّج وابنه الذي أتى به يوما إلى المدرسة جعلني أعتبر كلّ الرجال خائنين فالعُمَران متزوّجان وليس لي مكان في حياتهما. رحم الله معلّمي المحترم المتميّز والممثّل البطل العالمي. كبرت ورافقتُ صديقاتي وتجاربهنّ مع القلب وجعلت قلبي في مأمن بفضل المطالعة والمحاولات الأولى في الكتابة والتي كانت تلتقط جملا من كبار الكتاب ومن الأغاني ومن كلام رفيقاتي حتّى سمعت يوما صوت "خوليو اغليسياس" بلكنة فرنسية إسبانية حبيبة أخرجتْ قلبي من صندوقه وبدأتُ ألاحق أغنياته وأدّخر مصروفي لشراء شريط أغانيه، بل كثيرا ما كنت أقف لساعة وأكثر قبل دروس الثامنة صباحا في كافيتيريا تبثّ أغانيه. فأحفظ ما استطعت وأملأ قلبي بصوته وأبحث عن ملامح وجهه في خيالي وأصارع طواحين الريح لأجل الوصول إلى صوته. ويوم رأيت صورته في مجلة لأوّل مرة احتفظت بنسخة منها حتى رأيته في منوّعة يقبّل الفنانة الفرنسية "ميراي ماتيو" فتركته لها واكتفيت منه بأغانيه وانتظرت أن أطرق باب الحبّ بيدي مع شخص أراه ويقنعني حضوره في حياتي. مرّت حياتي. بحلو القلب ومرّه. ولم يكن هذا اليوم سوى ذكرى في روزنامة الأجداد الفلاّحين يروي أسطورة البرد والعنز و"النهار المتسلّف". وحين صار في تقاليدنا عيدَ حبّ لم أجد من الحبّ حبّا أو عيدا ولكن صفحات من الذّكرى يمرّ بعضها برأسي ويختفي بعضها في تجاويف قلبي ويظهر بعضها أمام الجميع يردّ عنّي برد "قرّة المعزة".

اليوم عيد الحبّ. والحبّ عيد، يوم في السنة، وقلبي ينبض طيلة السنة وينتظر العيد لولا رحمة من نبض الوقت فتحت صباحي بخفقة نبيلة تغطّيني من برد الصباح وارتعاش عظامي. وصار يومي عيدا للقلب.

 

وهيبة قويّة 

14 فيفري 2021


1 يناير 2022

اليوم الأخير...

 

اليوم الأخير... 


هنا في زاويتي الدّافئة في بيتي، أخذت أراقب دخول آخر يوم من السّنة. أعرف أنّه سيفتح ثقبا في جدار الوقت ويدخل دون ضجّة في أولى ساعاته، ثمّ سيرتفع نسق حركته بارتفاع الشمس الباردة ليحرّك كلّ الناس ويدفعهم إلى الانخراط في الاحتفال برأس العام الجديد كلّ بحسب إيمانه بالعام الجديد في حين يحثّ هو خطاه بثقة متناهية ليطفئ شموع العام ويفتح معبر العام الجديد.

ها هو يملأ حياة النّاس بالفرح والاستياء والفتاوى وأحكام الاحتفالات العائليّة والإحصاءات وكلّ الخيبات والانتصارات والنجاح والفشل والسّخط والرّضى... وأيّ شيء يمكن أن يدلّ على أنّه اليوم الأخير من عام سيمضي ويصير ذكرى، وقد نذكره يوما أو لا نذكره، ولكنّه حتما سيترك أثره في مسار حياتنا وأعمارنا فقد سارت أيّامه من أمامنا وهي تحمل الكثير من تفاصيل أيّامنا.

بدأ هذا اليوم الأخير يطلّ من شقوق الوقت المرسوم على السّاعة التي ما فتئت تمضي قُدما وتسجّل أنفاسي نفَسا نفسا وليتني أستطيع قراءة مشاعرها كما أقرأ الوقت عليها.  تتكتك لتذكّرني بالحياة والجري وراء يومي، وأسمعها ولا أعيرها اهتماما فكم أكره الارتباط بحركتها ومواعيدها الدّقيقة الّتي تقيّدني ولا أستطيع الإفلات منها...

(يتبع...)


وعاما سعيدا مباركا

وهيبة قويّة

21 فبراير 2021

كوّة في رأسي، وهيبة قويّة

 تركت النظر إلى النّافذة ولكنّها ظلّت في رأسي مثل كوّة زنزانة معتمة وأطلّ منها الضوء يوقظ الأفكار النائمة في فوضى في قاع دماغي. حرّك الضّوء بعض الأفكار المشوّشة الشعثاء التي مدّت أعناقها تتطاول في رأسي وتنمو كالطّحالب أمام عينيّ. فركتْ عينيْها بكسل. وتثاءبت. تثاءبتُ معها. سحبتُ الغطاء على وجهي. أضاءت الكوّة أكثر فتحرّكت الأفكار من جديد. وقفتْ على حافة دماغي. فخاتلتها وألقيت بها في حفرة اللامبالاة. وانشغلت بفكرة القهوة والتذوّق. وخفّ ما في قبّة رأسي من ضغط وانسجمت مع الفراغ حولي...

وهيبة قويّة
من أنا بخير
نافذة الضّوء

*الصورة: نافذة تشرق كلّ صباح في بيتي وتشدّ فكرتي إلى الضّوء. كانت منسية وصارت بقعة في رأسي تطلّ عليّ بصباحات جديدة. في انتظار أن تعود العصافير إلى شجرة اليوكاليبتوس المطلّة على النافذة الأخرى.

9 فبراير 2021

صداع صباحيّ

لوحة للفنّانة التشكيلية إيمان بن ابراهيم/ تونس
ضمن المعرض الجماعي: تنويعات نسائيّة

أفقت بعد ساعتين من النّوم الخالي من الأحلام بلا صداع ولكن مع وجع شديد في كتفي الأيسر وساقي اليسرى وخاصّة منها الكعب. وأعلن الصباح بدايته بسعال غريب شبيه بسعال العجائز حين يصيبهنّ البرد، خرج من أقصى رئتيّ وأحرق صدري. فأسرعت أنبّه حواسي.

اضطربت قارورة العطر الّتي لا تبتعد عن متناول اليد. فابتسمتُ لها. لا رائحة أفضل من العطور لأتأكّد أنّني لم أفقد حاسّة الشمّ. وتشمّمت رائحة الصّباح. فنفرت واختلطت وهربت. حملت وجع ساقي وكتفي وأحضرت قهوتي. فهي الطّبيب الّذي لا ريب فيه. مرارتها في كلّ رشفة ثابتة مع أنّ رائحتها باهتة وكأنّها أصيبت بوباء العصر.

لم أحدّثها كما العادة، واكتفيت بارتشافها. ربّما أظلم قهوتي بهذا. ولكن ما أفعله معها يحميها من هلوستي الصباحيّة ويطمئنني، إذ لم تصبح القهوة اختبارا لحواسّي فحسب بل معها أقتنع بفكرة الحماية الذّاتيّة من الفيروس الكوروني ومعها أبدأ بتطبيق مقولة "ما يلزّك على المرّ إلاّ الأمرّ". وقهوتي المرّة، وقد تركتُ مغازلتها، مرّ لذيذ وطبيب استعجاليّ في أيّامنا، ومؤنس عن بعد مثل الّذين نحبّهم وابتعدنا عنهم حماية لهم من المجهريّ الّذي قد يأخذ بأنفاسهم وأنفاسنا.

صباحي أيضا صار غريبا، لم يعد يأخذ بيديّ لأتفقّد ملامحي ولا يقودني إلى القراءة الّتي صارت بطيئة متعثّرة غائمة بلا تفكّر، حتّى تزايد عدد الكتب إلى جانبي تطلب فتحها فأفتح واحدا منها وأتهجّى سطرين وتبتعد بقيّة الأسطر عن عينيّ تاركة أثر نمل في الرّمل لا أتبيّنه وأعجز عن تتبّعه فأغلق الكتاب وأرتّبه فوق كتب الشّهر المختارة للمطالعة وأفتّش في رأسي عن غيمة تسعفني برذاذ فكرة ألاحقها حتّى لا يصيبني الخَرَفُ.

تحرّكت في مساحتي المتاحة من الصّباح قبل العمل وأنا "أخرّفُ" لنفسي عن رأس لا يسكنه الصّداع وعن مشروع مربح جدّا، سأفتح دكّانا لتغيير الرّؤوس لعلّ رؤوسنا بما حملت وفكّرت تخفّ عن أكتافنا وتقطف ثمرا يانعا لنحيا بسلام.

وصلني صوت مذيع الأخبار متقطّعا: "وزير الصّحّة... ورئيس الحكومة... عريضة سحب الثّقة... رئيس البرلمان... المحكمة الإداريّة... رئيس الحكومة... سنشهد تقلّبات الطّقس غدا...

أعدت صوت الرّاديو إلى حنجرته واستعرت أغنية لصباحي بصوتي الّذي بدا كصرير باب قديم:

"يا رايحين و الثّلج ما عاد بدكن ترجعوا

صرّخ عليهن بالشتي يا ديب بلكي بيسمعوا... "

وحين بدأ نشاز صوتي يغيب وعمل الغناء في رأسي عمله وجدتني أغنّي بصوت واضح:

"شو بدّي أعمل فيهن

نيّمهن وطعميهن

هيدا بدّو تبّولة

هيدا بدّو ملوخية

ناقص تقلي بطاطا وتقدّم ع الصينية

يا رئيس البلديّة"...

هكذا عاد الصّداع كالرّيح يعصف برأسي ويشوّش تفكيري ويقودني مع الغيم لأمطر في الصّحراء وفوق البحر.

وهيبة قويّة

من أنا بخير

15 مارس 2020

دودة

دودة

 
  حين يصيبني الحزن أصير دودة تحلم بأن ينبت لها جناحان ملوّنان
.

أهيّء فراشي الّذي فقد لونه، ولم يعد يحفظ عطري. فراشي ضيّق بحجم نقطة بلون تراب الحقول حين تعبث بوجهه الرّياح. أتمدّد في فراشي وأتغطّى بخيال من حرير.

ألفّ الحرير حول جسدي الّذي يضيق بجلده. وأسلخه مثل فكرة جافّة بلا معنى وأُلبسه حرير حلمي.

حلمي مثل فراشي، نقطة بلون غائم ينسلخ عنه شعاع شفّاف بطول حزني. يتمدّد الشّعاع إلى جانبي فأمسك يده، أعني طرفه، وألفّه حول خصري.

يحضنني الشّعاع ثمّ يطول فألفّه حول خصري فيطول، فألفّه وألفّه... فيتّسع المكان، يصير غيمة مخمليّة. أمدّ يدي إلى قطنها. ملمسها الحرير يداعب يدي ثمّ خدّي ثمّ يصير مناديل تمتدّ إلى عينيّ.

على كلّ منديل أرسم لؤلؤة وأطرّزها بلون من قوس فكري وتبدأ الحكايات الحزينة تترقرق على مناديل الغمام، ويتدفّق غيم العينين.

قبل أن أسرد آخر حكاية حزينة تنقشع الغيمة عن سمائي وتنفتح سواقي الألوان وتتفجّر النّقطة النّورانيّة مثل نافورة تنشر الضّوء حولي. ويتّسع الفضاء أكثر وأكثر.

تحملني خيوط الحرير إلى البعيد، وتهديني جناحين ملوّنين. ولكنّي لا أطير بهما. فالفضاء الواسع اتّجاهه واحد يسير نحو بهرة ضوء واحدة مثل عين بكلّ الألوان ولكن بلا أحلام.

وهيبة قويّة

موحزن، 

لكن كورونافيروس تأمرني بأن أحيا في أمان كما في أيّامي العادية. أفكّر، أكتب، أتنفّس...

وأنت المرايا تلمّ زوايا العطور وغير الزّوايا ***مظفّر النوّاب*** وأنت المرايا تلمّ زوايا العطور وغير الزّوايا ***مظفّر النوّاب*** وأنت المرايا تلمّ زوايا العطور وغير الزّوايا ***مظفّر النوّاب***
زاوية دافئة من القلب *** مدوّنة خاصّة *** وهيبة قويّة *** الكتابة عصير تجربة ولحظة صدق تحرّرنا من قيود تسكن داخلنا، نحرّرها، فنتنفّس. ***وهيبة قويّة

الأكثر مشاهدة هذا الشهر

مرحبا بزائر زوايانا

free counters